ابن فرحون
45
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
بطيب نفس لا يتنكر ولا يحرد ، فإذا انزعج أو غضب ، رجع عن قريب لم يؤيس من خيره ، ولو آيس بقوله ، وصرّح بعذره ، وطالت مدته أكثر من غيره ، وسأذكر وفاته - رحمه اللّه - في ولاية الشيخ افتخار الدين ياقوت ، ثم سعي عليه فعزل . [ « 7 » وولي شرف الدين مختص الديري : ] فجاء الناس بأخلاق تركية لم تتهذب برياضة ، ولا بحجّ وزيارة ، وقام بهيبة وعزّة ، ولقد جلس يوما في المجلس الذي كان غيره يجلس فيه ، فجاء شهاب الدين العادلي ؛ ليجلس في صفّه لا في جنبه ، فأقامه بنهرة ، وعزّ عليه أن يستوي معه في صفّه ، وكذلك فعل بغيره حتى كان لا يجلس إليه ، إلا من يدلّ عليه ، لكنه كان له رغبة عظيمة في العمارة ، فانعمرت الأوقاف في أيامه ، ولو استمر فيها لكثر خيرها . كان يخرج كل يوم غالبا فيباشر الغرس والعمارة ، ويخرج معه بعيش رغيد ، وخير كثير ، وكان جماعة الخدام في أيامه وقبلها ، يباشرون الأوقاف بأنفسهم ، ويحضرون الجداد بأعوانهم وخدامهم وعبيدهم ، ولا يتناولون على ذلك أجرة البتة ، ويخرجون معهم بالأطعمة الكثيرة الفاخرة المليحة ، ولهذا كانت الأوقاف مباركة وغلاتها متزايدة ، والبركة عليها لائحة ، حتى خلفهم من لا يتحرك في وقف إلا بأجرة ، وليته يعمل فيها بنية صالحة ؛ حتى يثاب عليها في الآخرة ، وكانت أيضا تعمر ببركة نيته ، ولو أخذ أجرته ، لكن اليوم أكثر الأوقاف دامرة ؛ لأن غلتها لا تردّ في عمارتها كما أوجبه الشرع لها ، فلذلك خربت وقلّ خيرها .
--> ( 7 ) من مصادر ترجمته : المغانم المطابة 3 / 1384 ، الدرر الكامنة 4 / 344 .